سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

110

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

وما في طبه أني جواد * أضر بجسمه طول الجمام وبينما جمال الدين يوما في ذلك المحل على ربوة منفردا ، إذ قدم الخديوي عباس وسار نحو السيد راجلا ، فردا ، تاركا عربته ومهمنداره بعيدا ، ولما تقابل افتتح الخديوي الكلام بالتحية قائلا : « السلام عليكم » وبعد المبادلة بها قال السيد : من أخاطب ؟ فأجابه : « محبكم عباس حلمي » . وذكر ماله من المحبة والحرمة عند سموه إذ إنه ولا شك من أكبر حكماء الشرق في العصر ويفتخر الشرقيون بمثله ، وهكذا عبارات ثناء وتودد وتلطيف لجمال الدين . واختتم الحديث بأن سموه يحب أن يراه زائرا مصر ، في أيامه ، مكررا ذكر ماله في القلوب من المحبة العظيمة . ولم يدر بينهما شيء لاضمنا ولا صراحة مما يكون له أدنى تماس مع السياسة . ولكنها فرصة للجواسيس ، ربما يبخل الدهر أن يأتي بمثلها ( سمو الخديوي عباس حلمي - وجمال الدين الأفغاني - منفردان على ربوة يتحادثان ! ! ) . فانهالت محرات الجواسيس « الزورنالات » على السلطان وأهمها وهو الذي أقامه وأقعده - « أن جمال الدين قد تعاهد ، وتحالف مع الخديوي على أن يؤسس له دولة عباسية ! ! وأنه قد طلب تأمينا من الخديوي بعد أن يتمم له الأمر ! أن لا تكون عاقبته كما كانت عاقبة أبي مسلم الخراساني مع العباسيين - وأن سوريا الجغرافية لمن حكم مصر بمنزلة اللازم والملزوم ، وهي مفتاح العراق » . وهكذا اختلاقات وتخرصات وترهات كانت خير ذريعة لتناول الأموال من « سراي يلديز » وباب رزق جديد لمن عيشهم موقوف على الافتراء والوشاية بالأبرياء ! - إذ كان بالتهويل على السلطان - ولو برجل سائح بسيط ، يجسمون أمره ويصورون من وجوده مضرات ومصائب ، تأتي للدولة منه وتتناول في نتيجتها شخص السلطان وعرشه - فيأخذ لذلك من الحيطة ويبذل في سبيله من الأموال ما يحير العقول !